أسلوب التّشويق وأهمّ مترادفاته في البلاغة العربيّة: عرض وتحليل (The Enthusing Style and its Major Synonyms in Arabic Rhetorics)

Abstract

Rhetorical discourse has been defined as the art of discovering all availaible means of persuasion in any given case. In other to draw attention of his audience and make them glued to his speech, an orator needs to employ means and devices that will not only enrich his point of view but equally  persuade the listeners or readers to accede to it. As one of the earliest and most learned languages in the history of man, Arabic possesses these means and styles in large quantity. As a necessary tool of literariness, a talented writer needs to acquaint himself with these rhetorical devises and use them effectively in his poetical and prosaic works. This paper aims at calling attention of the contemporary Arabists to the availaibility of this often either unknown or ignored theory in the works of earlier Arabic linguists. It, therefore, focuses on the essence and scope of tashweeq (i.e. enthusing or fascination) as discussed by classical Arab rhetoriticians and gifted writers. It also delves on some vital synonyms like targheeb (arousal of interest), tahyeej (excitation), ithaarah (stimulation), ilhaab (ignition) and laftul-intibaah (drawing attention). This work canvasses for more detailed study of this concept and harps on its vibrancy in message dissemination.

 

 

أسلوب التّشويق وأهمّ مترادفاته في البلاغة العربيّة: عرض وتحليل

بقلم:

الدكتور عبد الحفيظ أدينييي أحمد أديدميج

عضو هيئة التدريس بجامعة فونتئينFountain ، أوشوبو، ولاية أوشن، نيجيريا، والإمام الأكبر لجامع الجامعة

البريد الإلكتروني:abdulhafeezadedimeji@gmail.com &abdulhafeezmeji@yahoo.com

رقما الهاتف: +2348059310129 & +2348121521380

 

مقدّمة

         الحمد لله العليّ ذي السلطان، خالق الإنسان وواهب البيان، والصلاة والسلام التّامّان على سيّد ولد عدنان، خاتم النبيّين وإمام المرسلين سيّدنا محمد أفصح الناطقين وأبلغ المتكلِّمين، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى وحملة راية العلم والعرفان، وبعد:

        فمعروف أنّ الألفاظ ظواهر المعاني، تحسن بحسنها وتقبح بقبحها، وتتألّف بحسب ما تحمله من المعاني المتأنّقة والأحاسيس المتألِّقة. ومن هنا تدرس هذه الورقة العلميّة مصطلح “التشويق” وأهمّ مترادفاته في البلاغة العربيّة. والسبب الدافع إلى الخوض في هذا الموضوع أمران:

  • -كون حديث البلاغيّين عن الطرق والخصائص التي تستدعي التشويق والإثارة، وتهزّ المشاعر، وتلفت الانتباه إشاراتٍ مبثوثةً في كتب البلاغة، متناثرة في ثنايا مسائلها، تبدو حينا، وتختفي أحيانا، ولم تعط حقَّها من الدراسة المستقلّة التي تجلّيها وتؤصّلها، وتبيِّن قيمتها، وتكشف عن أهميّتها.

  • – كون التشويق عنصرا له أهميّته في بلاغة الكلام، حيث يثير نفس المتلقّي، ويستحثّ مشاعره، ويدفع عنه شبح الملل، ويدفعه إلى الاستجابة، ويبعثه على فعل المطلوب. فإذا بحثت أساليبه وجلِّيَت طرقه، أمكن توظيفها والاستفادة منها في مجالات الدعوة إلى الله تعالى، والخطابة، والكتابة، والتدريس، وغير ذلك من المجالات التي يعرض فيها المتكلّم نتاج عقله وبنات فكره على الناس؛ إذ يستطيع بها جذبَهم إلى حديثه، وتشويقهم إلى دعوته، والالتفاف حولها، والالتزام بها.

وتشتمل الدراسة التي عنوانها (نظريّة التشويق وأهمّ مترادفاته بين البلاغيّين والأدباء) على تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة:

المبحث الأوّل: ماهيّة التشويق البلاغيّ

المبحث الثّاني: أهمّ مرادفات التشويق ومعانيها عند البلاغيّين والأدباء

المبحث الثالث: تناول العلماء القدماء لأساليب التشويق في مؤلَّفاتهم

الخاتمة: وقد لخّصت فيا البحث، وتحّدث فيها عن أهمّ ما توصّل إليه.

المبحث الأوّل: ماهيّة التشويق البلاغيّ

          لما كان التعرف على تفاصيل شيء متوقفا على معرفة حقيقته، يحسن بنا أن ندخل في هذا الموضوع من خلال وقوفنا على حقيقة التشويق الذي هو المفتاح لهذه المقالة العلميّة. ولكون هذا اللفظ محورا أساسيا لهذا البحث نتدرج إلى مفهومه البلاغي من مدلوله اللغويّ، لأنّ الأول نابع عن الثاني، ولكون المعنى اللغوي مدارا لاصطلاح العلماء في كلّ فنّ وعلم.

        والتشويق مصدر: شوّقه يشوّقه، إذا أثار شوقه وجلبه وأحدثه. ويؤخذ من مجموع ما أفاده كلام علماء اللغة  أنّ الشوق هو شدّ الشيء إلى الشيء، أو شدّه به، أو شدّة تعلّق الشيء بغيره. قال ابن فارس: ‘‘(شوق) الشين والواو والقاف يدل على تعلقّ الشيء بالشيء، يقال شقت الطُنُب، أي الوتد، واسم ذلك الخيط الشياق، والشوق مثل النوط، ثمّ اشتقّ من ذلك الشوق، وهو نزاع النفس إلى الشيء. ويقال شاقني يشوقني، وذلك لا يكون إلاّ عن علق حبّ’’.([1])

      ويكاد يتّفق مع ابن فارس في المعنى المسوقِ صاحبُ لسان العرب ابن منظور الإفريقيّ حيث يقول:‘‘الشوق والاشتياق: نزاع النفس إلى الشيء، والجمع أشواق، شاق إليه شوقا وتشوّق واشتاق اشتياقا. والشوق حركة الهوى… وشاقني شوقا وشوقّني : هاجني فتشوّقت إذا هيّج شوقك، ويقال منه: شاقني حسنها وذكرها يشوقني أي: هيّج شوقي’’.([2])

       وقد أورد صاحب القاموس المحيط هذا المعنى نفسه، وذلك حيث يقول:‘‘الشوق: نزاع النفس وحركة الهوى. والجمع أشواق وقد شاقني حبها هاجني كشوّقني’’.([3])

         وساق المعجم الوسيط هذا المعنى المتداول للمادة، وزاد عليه شيئا بضرب الأمثلة لها بقوله: ’’شاق إليه يشوق شوقا: نزعت نفسه إليه. وشاق الشيء فلانا: هاجه. وشاق الشيء إلى آخر: شدّه إليه. يقال: شاق المشجب ونحوه إلى الحائط، والطنب إلى الوتد ….. شوّقه إليه: رغّبه فيه وحبّبه‘‘.([4])   

         وممّا يستعمله العرب مترادفات لكلمة الشوق الكَلَف، والغَرام، والشَّغَف، والوَجْد، والتَّوْق، والحنين، والمَيل، والنزاع، والصبابة.([5])

       ومن خلال ما سبق ندرك أنّ التشويق هو التهييج والإلهاب  والترغيب والتحبيب والحثّ والإثارة ونزاع النفس وميلها إلى شيء. ومنه سميّ العشّاق شُوقا، وكلُّ ما حبَّب إلى شيء أو أثار النفس نحوه فقد شوَّق إليه.

       فممّا ورد على هذا الأسلوب ودلّ على الترغيب والإلهاب وتحقّقت من خلاله  الإثارة ما رواه عبد الله بن صامت عن أبي ذرّ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ‘‘ألا أخبرك بأحبّ الكلام إلى الله’’؟ قلت: يا رسول الله! أخبرني بأحبّ الكلام إلى الله، فقال: ‘‘إنّ أحبّ الكلام إلى الله، سبحان الله وبحمده’’([6]).

نرى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم  في هذا الحديث الشريف يريد أن يرشد أبا ذرّ رضي الله عنه إلى خير جليل بوسعه تحصيلُه بلا تعب. وقد أراد أن يستولي على اهتمام الصحابي الكريم، وأن يثير شوقه إلى هذه الهداية الكبيرة والأجر الجزيل، فوظّف في ذلك أسلوب الاستفهام التشويقي، فقال: (ألا أخبرك بأحبّ الكلام إلى الله؟). فمن الذي لا يشتاق ويطلّع إلى اغتنام هذه الفرصة الثمينة؟! إنّ سماع أحبّ الكلام من أحبّ الخلق إلى الله ليس بأمر هيِّن. وتخصيص هذا الصحابيّ بهذا الخبر من حيث الأصل –وإن كان مضمون الحديث لكلّ المسلمين، كما هو الشأن في كلّ النصوص الشرعية- قد ساعد في تأثير هذا الأسلوب البليغ في هذا الصحابي الخيّر، ويبدو هذا الأثر في أنه لم يكتف بالجواب العادي المرتقب، من مثل (نعم!) أو (نعم، يا رسول الله!). بل استلذّ بالخبر حتّى أطنب في الجواب –والاستلذاذ بالذكر من مقتضيات الإطناب كما قرّر ذلك علماء المعاني([7])- فكانت إعادته للفظ السؤال في جوابه علامة شدّة تأثّره بهذا العرض المستطاب، وذلك حيث قال: يا رسول الله! أخبرني بأحب الكلام إلى الله. فقد رأينا كيف طار شوقه إلى تلقّي الخبر والاستفادة من الخبر، الذي هيّأ له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قلبه. فجاء هذا الخير في ثلاث كلمات موجزة هي: (سبحان الله وبحمده). فيا له من كسب وافر لعمل قليل! يا له من بلاغة رائعة من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم!

      وهكذا يتبيّن لنا أنّ المراد بالتشويق – كما يظهر من استعمال النّبي عليه الصّلاة والسّلام لأسلوب الاستفهام في الحديث السّابق- هو لفت انتباه السامع أو المتلقِّي إلى الكلام الذي يُلقى عليه، وإثارته إليه، وترغيبه في القول. ويكون ذلك بتهييج مشاعره وإلهابها نحو هذا الأمرِ المحبوب أو القول المرتقَب. وقد توخَّى الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم هذا الأسلوب كثيرا فيما لا يكاد يُحصَى من أحاديثه الشريفة.

ومن الأساليب التي تقدح زند الفكر بعد إخماده، وتوقظ طرف الفطرة من رقاده، وتعيد وهن الفهم إلى سداده ما اصطلح البلاغيّون على تسميته بالإلغاز. وقد وردت على هذا الأسلوب القائم على التعمية  عدّة أحاديث ألغز فيها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في صدر كلامه، ثمّ في صرّح بالمرموز إليه عقب تعميته؛ ليقف منها المتلقّون على بيّنة من الأمر لا يشوبها شك.

       ومن خيرِ ما يمثِّل ذلك ما ورد عن النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله r يقول: ’’الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبَّهاتٌ لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقّى المتشبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب’’(8).

       يعدّ هذا الحديث الشريف من جوامع كلمه صلّى الله عليه وسلّم، فقد جعلوه من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام(9)، بل وجد منهم من يقول إنه بالإمكان أن ينتزع منه وحده جميع أحكام الإسلام. وذلك لاشتماله على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلّق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يمكن ردّ جميع الأحكام إليه(10).

       أمّا في هذا المقام فالذي يهمّنا هو القطعة الأخيرة من الحديث، وهي قوله r: (ألا وإن في الجسد مضغة…). فقد اشتملت على عدّة أساليب تشويق من أبرزها العرض بـ(ألا) الاستفتاحيّة، والتأكيد بـ(إنّ) وتقديم خبرها على اسمها، والتقييد بـ(إذا)، علاوة على الإلغاز المبيَّن كما هو المنهج النبوي العام في الإلغاز أو غيره من الفنون المحتملة لأكثر من وجه وتفسير.

ومن هنا كان وجه الاستشهاد من هذا الحديث أنّ النّبيّ r ألغز وعمّى بقوله (ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه)، لتذهب نفوس المتلقّين في التفكير عن هذه المضغة المهمّة التي تجرّ خلفها سائر أعضاء الجسم، ويصبح الجسد صالحاً بصلاحها وفاسداً بفسادها. ولا شكّ أنّ هذا ممّا يشدّ انتباه المتلقّين ويجذبهم إلى متابعة الكلام وإعمال الفكر فيه.

      وبعد أن قد حقّق هذا الأسلوب وظيفته البلاغية فكّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عقدة هذا الإلغاز بقوله (ألا وهي القلب)؛ وذلك لتلوح في أفق هذا البيان الناصع إشارة بيضاء إلى أنّ ‘‘صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرّمات واتّقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإنْ كان قلبه سليماً ليس فيه إلا محبّة الله ومحبة ما يحبه الله وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرّمات كلّها توقّي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرّمات، وإن كان القلب فاسداً قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبّه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلّها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشبهات بحسب اتّباع هوى القلب’’(11).

المبحث الثاني: أهمّ مترادفات التشويق ومعانيها لدى البلاغيّين

أوّلا: الإلهاب والتهييج.

        الإلهاب مأخوذ من ألهب، أي: أوقد. وألهب الكلام: أمضاه بسرعة.ولهب النار: ما يرتفع من النار كأنّه لسان.(12) قيل: وكنّي أبو لهب كذلك لجماله.(13)

        أمّا التهييج فهو في اللغة مثله. يقال: ألهبها للأمر: هيّجه له.(14) وأنشد الحريريّ لعديّ ابن الرقاع:

ولو قبل مبكاها بكيت صبابـة
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا

بسُعْدَ شفيت النفس قبل التندم
بكاها فقلت الفضل للمتقـدّم(15)

 يعني بقوله (فهيّج لي البكا): حرّكني وحملني إليه ومهّد لي سبيله.

        أمّا في الاصطلاح فقد جمع بينهما العلوي في باب واحد، وجعلهما ضربا من ضروب الحثّ على الفعل ‘‘لمن لا يخلو عن الإتيان به، وعلى ترك الفعل لمن لا يتصوّر منه تركه’’.(16)

       ومن الأمثلة التي ضرب لهما قوله تعالى مخاطبا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَبَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(17). وقوله عزّ وعلا لنبيّه عليه الصّلاة والسلام  :{بَلِ اللّهَ فَاعْبدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(18). ثمّ قال عقيب ذلك: ‘‘فهذا كلّه وارد على جهة الحثّ لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام والتحذير له عن مواقعة هذه الأفعال’’(19).

ثانيا: الترغيب.

     الترغيب من رغّبه في شيء يرغّب فيه: إذا حبّبه إليه وجعله مولعا به.

     أمّا عند علماء التربية الإسلاميّة فيُعْنى به ‘‘وعدٌ يصحبه تحبيبٌ وإغراء، بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة، مؤكّدة، خيّرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيّئ ابتغاء مرضاة الله’’.(20)

ثالثا: لفت الانتباه.

        يتكوّن هذا المصطلح من عنصرين هما: اللفت، والانتباه. أمّا (اللفت) فهو مصدر لفَت، يلفِت: إذا لوّاه على غير وجهه وصرفه إلى ذات اليمين وذات الشمال.(21)

          والانتباه في اللغة هو التفطّن والتيقّظ والاستيقاظ. وعند علماء علم النفس ‘‘هو أن يبلور الإنسان شعوره على شيء ما في مجاله الإدراكي ّأو الحالة العقلية التي يبدو فيها شعور المرء مكوّنا من بؤرة وحاشية’’.(22) ومن ثمّ قسموه على أساس الميل إلى ثلاثة أقسام هي: الانتباه القسري، والانتباه الإراديّ، والانتباه التلقائيّ(23). ولعلّ مسمّى التشويق ينطبق على القسم الثالث الذي أطلقوا عليه اسم الانتباه التلقائي(24).

رابعا: الإثارة.

        تطلق الإثارة في اللغة ويراد بها عدّة معان أبرزها: التهييج. قال في اللسان: ‘‘أثرت فلانا: إذا هيّجته لأمر’’.(25) ويقال في معناه أيضا: ثوّرته، وفوّرته، وهجته، وأيقظته، ونبّهته، وأوقدته، ونفرته وغير ذلك.(26)

        وفي التربية هي ‘‘حافز يقدّم قبل السلوك المرغوب فيه عادة، ترغيبا في القيام به، بحيث يثير الاهتمام به في نفس الفرد، ويبعث على مباشرته’’.(27)      

        تلك هي أهمّ الكلمات التي ترادف التشويق أو تقاربه معنى، ومن خلالها نستطيع أن نأخذ صورة أوّلية عن هذا المصطلح، وذلك بغية توضيح مفهومه في البلاغة من جانب، ولإظهار علاقته بالأدب من جانب آخر.

 المبحث الثالث: تناول العلماء القدماء لأساليب التشويق في مؤلَّفاتهم

      في الحقيقة ليس هناك فنّ أو مجموعة مباحث أطلق عليها علماء البلاغة اسم التشويق، وإنما يستنبط ذلك من الدلالة اللغوية للكلمة، ومن مجموع مترادفاتها- كما سبق إيرادها-، ومن الإشارات المبثوثة التي أدلوا بها في ثنايا كتبهم عن هذه الأساليب.

        هذا، وهناك ألوان تعبير خاصة توظّف لاستمالة القلوب، وأسر النفوس، وحمل المتلقّي على الاقتناع والإيمان بما يقال له إن كان خبراً غيبيّاً، وتصديق القائل إن كان كلامه خبرا مجردا، والإقبال والإصغاء إن كان قصة، والتنفيذ إن كان أمرا، والكفّ إن كان نهيا، والاعتبار إن كان عظة. وهذه الفنون هي التي تنطبق عليها أساليب التشويق البلاغية، فهي أخصّ من عموم فنون البلاغة، لأنّ وظيفتها أدقّ من وظيفة ما سواها، لتجاوزها مرحلة الاستحسان والقبول إلى مرحلة الأسر والسحر.

         وهذه الفنون البلاغية والأساليب الأدبيّة لا تلزم المخاطب القيام بمقتضى الخطاب وتفحمه فحسب، بل تؤدّي أثرا أكبر وأجلّ من ذلك، وذلك لحملها إيّاه على الإذعان وإثارة عاطفته،‘‘فمرمى الإقناع الخطابيّ ليس هو الإلزام والإفحام فقط، بل مرماه حمل المخاطب على الإذعان والتسليم وإثارة عاطفته، وجعله يتعصّب للفكرة التي يدعو إليها الخطيب، ويتقدّم لفدائها بالنفس والنفيس عند الاقتضاء، ولا يكون ذلك بالدلائل المنطقية، تساق جافة، ولا بالبراهين العقلية تقدّم عارية، بل بذلك، وبإثارة العاطفة، ومخاطبة الوجدان. وإنّ الخطيب قد يستغني عن الدلائل العقلية، ولا يمكنه في أيّة حال الاستغناء عن المثيرات العاطفية، بل إنّ أكثر ما يعتمد عليه الخطيب في حمل السامعين على المراد منهم مخاطبة وجدانهم، والتأثير في عواطفهم’’.(28)

        وإذا كان المفهوم العامّ لأساليب التشويق واضحا ممّا سبق، فينبغي أن نقرّر أنّ البلاغيّين لم يغفلوا ذكر هذه اللفتات في مؤلّفاتهم القيّمة، لكنّها تختفي كثيرا في زوايا مسائل البلاغة، بحيث لا يتنبّه لها كثير من الدارسين وطلاّب العلم. ولإثبات هذه الحقيقة نسرد كلام ثلاثة من علماء البلاغة الأفذاذ وأئمّة البيان الأقطاب.

        يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني في معرض كلامه عن التمثيل  الغريب المتطلّب لدقّة الفكرة قبل إدراك فحواه :

       ‘‘ومن المركوز في الطبع أنّ الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزيّة أولى، فكان موقعه من النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، ولذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ’’.(29)

        ويقول في موضع آخر:

       ‘‘إنّ التوق إلى أن تقرّ الأمور قرارها، وتوضع الأشياء مواضعها، والنزاع إلى بيان ما يشكل، وحلّ ما ينعقد، والكشف عمّا يخفى، وتلخيص الصفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة، واستظهارا على الشبهة، واستبانة للدليل، شيء في سوس العقل، وفي طباع النفس إذا كانت نفسا’’.(30)

        والسّكاكي حين يعلّل ظاهرة إيراد المضمر موضع المظهر يذهب إلى أنّها ظاهرة أسلوبية توظّف في الكلام ‘‘ليتمكّن في ذهن السامع ما يعقبه، وذلك أنّ السامع متى لم يفهم من الضمير معنى، بقي منتظرا عقبى الكلام كيف تكون، فيتمكن المسموع بعده فضل تمكّن في ذهنه، وهو السر في التزام تقديمه’’.(31)

        وكذلك جعل السّكاكي إيراد اسم الموصول في صدر الجملة من فنون التشويق، مقرِّرا بذلك بذلك أنّ الإبهام الموجود في الاسم الموصول يحدث في نفس المتلقّي تشوّقا لمعرفة المراد به وتطلّعا لإدراك معناه عن صلته الكاشفة عن حقيقته المزيلة للإبهام الأوّلي الموجود في الاسم الموصول. ولذلك نجد النفس تنفتح بعد سماعها الموصولَ انفتاحا تلقائيا، فتلقف ما بعده بالدافع الجبلي المستشرف للمعرفة. وذلك حيث نصّ أنّ من أغراض التعريف بالموصول ‘‘أن يتوجّه ذهن السامع إلى ما سيخبر عنه منتظرا لوروده حتّى يأخذ منه مكانه إذا ورد، كقوله:

والـذي حارت الـبريّـة فيه        حيوان مستحـدث من جمـاد(32)’’(33).

        أمّا الخطيب القزوينيّ فكان كلامه المستفيض عن بلاغة التشويق في باب الإطناب. فيقول في بيان أنواعه، وذكر فوائد الإيضاح بعد الإبهام، وكشف روائعه: ‘‘إمّا بالإيضاح بعد الإبهام، ليرى المعنى في صورتين مختلفتين، أو ليتمكن في النفس فضل تمكّن، فإنّ المعنى إذا ألقي على سبيل الإجمال والإبهام تشوّقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح، فتتوجّه إلى ما يرد بعد ذلك، فإذا ألقي كذلك تمكن فيها فضل تمكن، وكان الشعور به أتمّ، أو لتكمل اللذّة بالعلم به، فإنّ الشيء إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدّم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المجهول لذّة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم، ثمّ إذا حصل لها العلم حصلت لها لذّة أخرى، واللذة عقيب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدّمها ألم، أو لتفخيم الأمر وتعظيمه’’.(34)

        وهكذا نرى الخطيب القزويني يجعل لفنّ الإيضاح بعد الإبهام فوائد أربعة يرجع جميعها عند إمعان النظر إلى أصل واحد، وهو إثارة المتلقي وترسيخ الكلام في بؤرة شعوره بصورة أفضل. وتتلخّص هذه الفوائد- حسب ورودها في النصّ السابق- فيما يأتي:

(1)- إيراد المعنى في صورتين مختلفتين.

(2)- تمكين المعنى في نفس المتلقي بصورة أرسخ لا يمحى من ذاكرته فترةً طويلةً.

(3)- عرض الكلام عرضا يلذّ عند السامع ويعجب به.

(4)- تفخيم الأمر المسوق له الكلام وتعظيمه.

       أمّا الطّيبيّ فقد وافق كلامه موقف السّكاكيّ أنّ عنصر التشويق كامنٌ في الجملة الخبريّة المصدَّرة بكلمة (الذي) الموصوليّة، فقد صرَّح بأنّ ‘‘التشويق المستحسن إحدى خوّاص الإخبار بالذي؛ لما فيه من الإبهام الذي هو سبب التشويق، وتطويله بالصلة هو سبب استحسانه’’(35).

       والخلاصة أنّ مثل هذه الفنون القوليّة التي يمكن وضع اليد على مواضع الحسن فيها وبيان أسباب روعتها هي التي نعنيها بأسلوب التشويق في البلاغة العربيّة، وهي كما رأينا من حديثي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وكلام البلاغيّين القدماء عدّة فنون بلاغيّة لا أسلوب واحد. وقد تعرَّضنا لها واستشهدنا لها قدر المستطاع وحلّلها حسبما ما يقتضيه المقام؛ ذلك لأنّ البلاغة عبارة عن مباحث محدّدة وقواعد مقنّنة يمكن تحليلها وتعليلها. ولهذه الأساليب وظيفة تربويّة أيضا؛ لكونها تدفع الملل، كما قرّرنا. ومن هنا ذهب بعض الدّارسين المعاصرين إلى أنّ كلّا من ‘‘الإمتاع والتشويق وجهان لعملة واحدة ترمي إلى هدف تربويّ مزدوج، وهو جعل المتعلِّم مريحا أثناء التّلقّي وداعيا إلى التّطلّع إلى مزيد من المعرفة، وليس هناك من شكٍّ أنّ تعليم اللغة العربيّة بحاجة إليهما’’(36).

خاتمة

        قد تبيّن ممّا سبق عرضه أنّ التّشويق – وإن كان مصطلحا بلاغيّا من حيث هو- عنصرٌ قوليٌّ له علاقةٌ بالأدب والأداء الخطابيّ. ومن مترادفاته – أو ما يقاربه في المعنى- الإلهاب والتهييج، والترغيب، ولفت الانتباه، والإثارة، والتنبيه، إلى غير ذلك من المعاني المماثلة. وهذه المصطلحات متلازمة متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، فالمتكلِّم إذا نبّه المتلقّي فغايته من ذلك تشويقه إلى فحوى الكلام، وحين يتشوّق هذا المتلقي إلى مضمون الكلام فطبعيّ أن يتأثّر به بعد تأكّده لديه، وإثارة فكره لما يحمله من معان ودلالات. وهكذا يتبيّن القرب الشديد والتلازم الواضح بين هذه الألفاظ.

         والرجاء أن يسهم هذا العمل العلميّ المتواضع في تنبيه الباحثين إلى ضرورة التجديد  في دراسة البلاغة العربيّة دراسة جادّة تتسمّ بالعمق والدّقة وسبر أغوار كلام القدماء، آملين في هذا الصنيع تشويق العرب والمستعربين إلى كنوز المعرفة الكامنة في هذه العلوم المبخوسة الحقّ في طُرُقِ طَرْقِها، والله الهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش والمراجع

(1)- أحمد ابن فارس، (بدون تاريخ) معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل (بيروت)، مادة (شوق)، 3/229.11

(2)- ابن منظور الأفريقي، (1416هـ-1995م ) لسان العرب، تحقيق أمين محمّد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي ومؤسّسة التراث العربي (بيروت)، الطبعة الأولى، مادة (شوق)، 7/239.

(4)- محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، (1412هـ-1991م) القاموس المحيط،  دار إحياء التراث العربي (بيروت)، الطبعة الأولى، باب القاف، فصل الشين، 3/366.

(5)- إبراهيم أنيس ورفاقه (بدون تاريخ)، المعجم الوسيط، الطبعة الثانية، مادة (شوق)، ص 500.

(6)- مسلم بن الحجاج القشيري، (1419هـ-1998م) صحيح مسلم (مع شرح الإمام النووي)، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة (بيروت)، الطبعة الخامسة، كتاب الذكر والدعاء، الحديث 6863، 17/ 50-51.

(7)- ينظر: درويش الجندي (بدون تاريخ)، علم المعاني، دار نهضة مصر للطبع والنشر، ص 179، وبكري شيخ أمين، البلاغة العربية في ثوبها الجديد،  دار العلم للملايين (بيروت)، الطبعة الثانية، 1991م، ص 202.

(8)- متفق عليه. ينظر: كتاب الجامع الصّحيح المشهور بصحيح البخاري في 1/ 153، كتاب الإيمان، الحديث 52. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه الشهير 11/ 29-30، كتاب المساقات، الحديث 4070.

(9)- يقول العلماء: إن مدار أحكام الإسلام على أربعة أحاديث: الأول (إنما الأعمال بالنيات)، والثاني (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم)، والثالث (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس)، والرابع هذا الحديث الذي بين أيدينا. هذا، وقد ورد بينهم خلاف في عدد هذه الأحاديث وعدّ بعضها منها.

(10)- ينظر: فتح الباري، 1/ 157.

(11)- الحافظ ابن رجب الحنبلي (1415هـ-1994م)، جامع العلوم والحكم، تحقيق مروان كجك، دار المؤتمن للنشر(الرياض)، 1/ 152.

 (12)- إبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط، مرجع سابق، مادة (لهب)، ص 841.

(13)- محمّد بن أبي بكر الرازي (بدون تاريخ)، مختار الصحاح، تحقيق محمود خاطر، دار الحديث (القاهرة)، مادة (لهب)، ص 606.

(14)- إبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط، مرجع سابق، مادة (لهب)، ص 841.

(15)- أبو محمد القاسم بن زيد الحريريّ (بدون تاريخ)، مقامات الحريري البصري (وعلى هامشه شرح الشريشي له)، تحقيق محمّد عبد المنعم خفاجي، المكتبة الثقافية (بيروت)، 1/20.

(16)- يحيى العلوي (بدون تاريخ)، الطراز، مكتبة المعارف (الرياض)، 3 /363.

(17)- سورة الزمر، الآية 65.

(18)-سورة الزمر، الآية 66 .

(19)- يحيى العلوي، الطراز، مرجع سابق، 3/364.

(20)- عبد الرحمن النحلاوي، (1417هـ-1996م) أصول التربية الإسلامية وأساليبها، دار الفكر (دمشق)، الطبعة الثالثة، ص 287.

(21)- إبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط، مرجع سابق، مادة (لفت)، ص 831.

(22)- مصطفى زيدان، (1404هـ-1984م) معجم المصطلحات النفسية والتربوية، دار الشروق، الطبعة الثانية، ص 153.

(23)- المرجع السابق، ص 153.

(24)- للوقوف على مرادهم من هذا المصطلح ينظر: السابق، 153.

(25)- ابن منظور الإفريقيّ، لسان العرب، مرجع سابق، مادة (ثور)، ص 2/149.

(26) ينظر: قدامة بن جعفر، (بدون تاريخ) جواهر الألفاظ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية، ص 386.

(27)- الحسين جرنو محمود جلو، (1414هـ-1994م) أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم،  مؤسّسة الرسالة (بيروت)، الطبعة الأولى، ص 30.

 (28)- محمد أبو زهرة، (بدون تاريخ) الخطابة أصولها تاريخها في أزهر عصورها عند العرب، دار الفكر العربيّ (القاهرة)، ص 53.

(29)- عبد القاهر الجرجاني، (1412هـ-1991م)  أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المدني بجدة، الطبعة الأولى، ص 139.

(30)- عبد القاهر الجرجاني، (بدون تاريخ) دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، دار الكتب العلميّة (بيروت)، ص 28.

(31)- أبو يعقوب السكاكي (1407هـ-1987م)، مفتاح العلوم،  تحقيق نعيم زرزور، دار الكتب العلميّة (بيروت)، الطبعة الثانية، ص 198.

(32)- البيت لأحمد بن عبد الله المعروف بأبي العلاء المعري، الشاعر العباسي المعروف.

(33)- مفتاح العلوم، مرجع سابق، ص 182-183.

(34)- الخطيب القزويني، (1412هـ-1991م) الإيضاح (وعلى هامشه البغية لعبد المتعال الصعيدي)، مكتبة الآداب (القاهرة)، 2/133.

(35)- شرف الدين الطيبي (بدون تاريخ النشر)، التبيان في علم المعاني والبديع والبيان، تحقيق د/ هادي عطية مطر الهلالي، عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية (بيروت)، ص 68.

(36)- ينظر: http://www.isesco.org.ma/pub/ARABIC/Langue_arabe/p4.htm

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s